اركضي يا سياسة كلام في سياسة دول ما بعد الثورة ـ صلاح بن عياد

 

اركضي يا سياسة.  شذّبي العقل الوحيد الذي بحوزتنا إلى “كويرة” صغيرة تتقافز كحشرة البرغوث. الحشرة التي ستتخذ من شعرك الأشيب مقاما نهائيّا. اركضي يا سياسة واحرقي الهضاب والنتوءات، هو المنبسط كما تشتهين منبسط وهي التربة كما تتمنين رخوة، فشكّلي منها الكافي من الأبواق والأسواق والأعراق والآفاق.

لك ثدي البلد يا سياسة، لك كل الرموز التي على أطراف الأصابع. لك سيفجّر الجوعان جوعه بعبوّة باردة ويضع المفكّر عقله في صندوق معلّق في رقبتك وأنت في المرعى ولا حدود لشدقيك. سترنّ العقول على رقبتك المرتاحة كالنواقيس، ستتمايل الأعشاب استقبالا لمضغك وإعادة مضغك.

اركضي يا سياسة، أنت بين دُماك ذوات الحاسة الواحدة: السمع المطيع. الدُّمى التي ستتمايل على أنغام برامجك ورؤاك وربطات أعناقك وبريق وجناتك وطقطقة أحذيتك ووشوشة حناجرك ولقلقلة ألسنتك في الأفواه الفاغرة…إلخ.

اركضي في الحاضر. نحن ننام في كهوفك وثانينا كلبنا. نتقلّب ذات اليمين وذات الشمال بانتظام ولا أكثر. سنخرج عليك بعملاتنا القديمة من أجل بعض الخبز “المصوّف”. اركضي نحن وحوشك الطيّعة، نحن ثعابينك الراقصة على مزاميرك. نحن فتحك وقد أمنّا جميعا بأن دخلنا إلى دار أبي “سفيانك”.

اركضي يا سياسة فأنت كلّ الاتجاهات والمحطّات، فحتّى قوافينا ستعوي ترحيبا بمرورك “الزّرافيّ” المتكبّر. اركضي ـ تبّا لنا / طوبى لك. وهل عملنا ثورة؟ لا أبدا نحن نعتذر على أيادينا التي تمايلت غصونا بعيدة عن شجرتك المباركة. أنت الثورة يا سياسة، وأنت المحددة لكم نحن عرائس في أطراف خيوطك المتدلّية. أنت ألف “سيدي بوزيد” في ذاكرتنا المصطفّة قربانا وراء قربان على أبوابك. بل أنت حصان “بوزيد” ذاته الرّاكض في مهرجاننا الحافل بألوانك وطلاسمك. وأنت ما ينبش العمّال في الأحواض المنجميّة من القديم. أنت ما يحطّ على الأسوار من بوم حكيم يدير رؤوسه الدوائر الكاملة.

ياه كم أنت جميلة يا سياسة!.

“ماذا نصف ولا نصف”؟. كل الشعراء على مطيتهم في اتجاه مدحك. القرائح بدورها يا سياسة طيور صغيرة تحوم حول رأسك الشريفة.  نقبّل رأسك يا سياسة. ونمضي في هجاء وجوهنا على المرآة.

استبدّي يا سياسة. وهل تستطيعين غير الاستبداد. كلي من لحومنا واصمتي. سنسمّي الشوارع باسمك، كل الشوارع بلا استنثناء، لا اسم لنا فنحن التفاصيل المقيتة. أنت الكلّ الواضح. لا ثقافة بعد اليوم إلا ما تقرّرين. وماذا ستفعل “السيدة الثقافة” دون يديك المباركتين ودون أن تتمسّح على رجليك كقطّ مرفّه.

نصفق للسياسي وهو لم يتكلم بعد. وهو يهمّ بالوقوف، وهو يخطئ خطأ لغويّا، وهو يقول نكتة تافهة، وهو يسعل وهو يضرب الأفعال فوق الطاولة كل ذلك من أجلك يا سياسة. بل من أجلك قد نسمعه إلى ما لا نهاية. تبا للهايكو السياسيّ وللقصائد القصيرة ولروايات أمريكا اللاتينية هي لا شيء أمام ما يتهجّاه السياسي العربيّ. السياسي الذي ينصب الفاعل ويرفع المفعول به، ويسخر من لسان العرب ومن نهج البلاغة وكل أمهات الكتب وهي وراءه من أجل الزينة لا تنفتح. وماذا تعني أمام نصف جملة من جمله.

كم أنت كبيرة يا سياسة. ولتسقط التفاصيل.

من أجلك تحرق الأعشاب بورودها ونملها وصراصيرها ـ سياسة الأرض المحروقة ـ. من أجلك تغرق السفينة بكل قصصها. من أجل يحمرّ الرضيع ونكتفي بأن نسمّيه شهيدا. ماذا نفعل أكثر من ذلك أمام قدرتك الخارقة. ربما نكتب قصيدة في غفلتك لا أكثر. مقالة في سهوك. رواية في هامشك. أنت على واجهات المكتبات ترفرفين بكتبك السيئة الإخراج، الكتب في طبعتها الألف وأنت في وجهك الما قبل زراعيّ وفية لكل ما هو ضدنا ومعك.

ما أجملك في الاعتصام والثورات والمظاهرات.  وأنت تتسلين فوق ذراعي البوليس. البوليس حيوانك الأليف. وحشك المروّض. الواقف دوما على سركك ذي اللون الواحد. على خشبتك تهب الرّاقصة فلسفة جسدها كاملة، والمغني يذبح على الميكروفون نظريَات صوته بكل كرامة.

ما أجملك في رسائل الحب وفي حائط “الفيس بوك” تغطين على عازفة الكمان، صاحبة النهدين المشرئبين كحلزونيين. تغطين على الأغنية الطالعة من سخونة الأرواح. تغطين على العاشق الطامح إلى الخروج من صمته. أنت لون كل الحيطان من الفيسبوكية إلى الحجريّة.

في لحظة يجتمع حولك ما لا يجتمع حول قصائد العالم جميعها. في لحظة يغصّ من أجلك الشارع وترفع الكلمات فوق الرؤوس وتتلاطم الأصوات وتبرق الأعين وتهتز الأيادي. في لحظة تسقطين أهم المواعيد من الأجندات ومعاني الكون وبرامج الإله. إنك أسطورتنا الجديدة. حتى أمهر لاعبي كرة القدم قد نراه يسجل هدفه بلا مصفقين في حضورك يا سيدة العالم بأسره. في لحظة تغيرين ملامح وشروط الخطبة. تغيرين قواعد الفصاحة والوزن الشعريّ. تسقطين حداثة الشعر في لحظة وترسين حداثة أخرى. تعطين في لحظة للقافية الرديئة قيمتها الاستطيقيّة المشتهاة. بل تسقطين الإنسان في كلّ لحظة تريدين.

أنت الإرادة يا سياسة. أنت الأجل. أنت القدر. أنت الديانة الحقيقية. أنت الرابضة وراء الحياة توجّهين كم تدوم وكم لا تدوم. كم يموت وكم يبقى حيّا، كم يولد وكم يجهض.

لك أقفاصك الصدريّة أين يربض الصوت. لك صناديقك الخشبية أين يذهب الصوت وها هنا تجعلين الصوت ورقة مترهلة لا يهم منها سوى أنه رقم.

نحن أرقامك الوفيّة يا سياسة. امضي إلى أعالينا.

ونمضي إلى ما تحت صفرنا، اكتشافنا الشهيّ.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: